تحرير الحُديدة وبداية العد العكسي لحرب اليمن
عبدالحق الصنايبي

عبدالحق الصنايبي


رغم تعدد جبهات القتال في اليمن لاستئصال التواجد الحوثي وإعادة اليمن لحضنها العربي الطبيعي، إلا أن جبهة “الحديدة” ظلت تحظى بأهمية استراتيجية كبرى سواء بالنسبة لقوات الشرعية اليمنية ودول التحالف العربي أو بالنسبة للعدو الحوثي، لاعتبارات جيوستراتيجية فرضها تواجد المحافظة على الساحل الغربي لليمن والذي يعتبر المنفذ الرئيسي للإمدادات العسكرية واللوجيستية والتموينية القادمة من إيران و”دول أخرى” ورطت نفسها، مؤخراً، في تقديم الدعم العسكري لميليشيات الحوثي الإرهابية.

 


في هذا السياق، تحتل محافظة الحديدة موقعا جغرافيا متميزا يتوسط الساحل الغربي لليمن، ويبلغ تعداد سكانها أكثر من مليوني نسمة كثاني أعلى كثافة سكانية بعد محافظة تعز. ويقطن مدينة الحديدة، المركز الإداري للمحافظة، نحو أربعمائة ألف نسمة وتتصل بالعاصمة صنعاء عبر طريق يبلغ طوله حوالي 226 كيلومتر.

 

ويعد ميناء الحديدة ثاني أكبر ميناء يمني بعد ميناء عدن وأحد أكبر الموانئ على البحر الأحمر ويُؤمن نشاط أكثر من سبعين بالمائة من حجم الملاحة البحرية. هذا الامتياز البحري وفر للحوثيين إيرادات جمركية ورسوما خدمية كبيرة، بالإضافة إلى استخدامه في تهريب الأسلحة وتهديد سلامة الملاحة البحرية.
من جهة أخرى، شكل تحرير مطار المدينة، الثلاثاء الماضي، منعطفا استراتيجيا حاسما وضربة قاصمة لميليشيا الحوثي الإرهابية، وهو المستجد الميداني الذي سيساهم، ولاشك، في الإسراع بالإخضاع الكامل للمدينة لسيطرة القوات اليمنية المشتركة المدعومة بقوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

 


إن تحرير مطار الحديدة يشكل تقدما استراتيجيا نوعيا بكل المعايير والمقاييس العسكرية ضمن الخطة المرسومة على مستوى جبهة عمليات الحديدة، على اعتبار أنه المفتاح الرئيس للانطلاق لتحرير ميناء الحديدة، وإيذانا بعودة تدفق المساعدات الإغاثية والطبية والإيوائية للشعب اليمني.

 


ويمكن القول، بشكل عام، إن أهمية السيطرة على محافظة الحديدة من طرف قوات الشرعية والتحالف العربي فرضتها مجموعة من الإكراهات الاستراتيجية، وعلى رأسها تزايد تعرض سفن التحالف العربي والدول الأخرى لهجمات صاروخية وزوارق مفخخة في البحر الأحمر، بالإضافة إلى كونها مركز إمداد رئيسي للحوثي، دون إغفالٍ للبعد الإنساني على اعتبار أن الميناء يبقى المنفذ الأهم لإيصال المساعدات الإنسانية الدولية للشعب اليمني. وبالتالي فإن السيطرة على الحديدة، وخاصة الميناء ومطار المدينة، سيُعجلان بالحسم العسكري في اليمن.

 


وإذا كانت معالم الوضع العسكري الميداني قبل شهور تبدو معقدة، من خلال تباعد مواقع قوات تحالف الشرعية في تعز والمخا وميدي وهشاشة السيطرة على مناطق الساحل، بالإضافة إلى المخاوف من الإكراهات الديموغرافية التي لا تشجع على الاستهداف البحري للمدينة، فإن الواقع الميداني اليوم تغير، خصوصا مع إخضاع معظم المديريات والمحافظات المجاورة للحديدة ومرابطة قوات الشرعية، مدعومة بقوات التحالف، على تخوم المدينة ومحاصرتها عبر ثلاثة منافذ رئيسية، مع ترك ثغرة مفتوحة على الجانب الشرقي من المحافظة قصد إفساح المجال لتسليم المغرر بهم لأنفسهم وإحداث حالة من الضغط النفسي لدى عناصر الحوثي بوجود إمكانية الهرب من المحرقة التي ورطهم فيها التنظيم، عبر تفادي تفعيل تكتيكات الحصار المغلق والذي غالبا ما يدفع المُحاصَر إلى القتال حتى الموت ما دام ليس هناك مجال للانسحاب أو الهرب.

 


على مستوى مسرح العمليات، يمكن القول أن تبني تكتيك تعدد خطوط المواجهة واتساع رقعة جبهة العمليات، يبقى مطلبا تكتيكيا مهما الغرض منه هو تشتيت قوات العدو، المحاصر أصلا، على طول جبهة العمليات وعدم قدرته على تركيز قواته في نقطة واحدة، مما يساهم في سرعة إنهاكه، خصوصا مع التفوق العددي الذي تمتلكه الشرعية والتحالف، في انتظار تحديد “الثغرة الاستراتيجية” للعبور من خلالها بأكبر قدر من القوات والزحف البري على المدينة، قصد تحريرها دون خسائر جانبية في الأرواح والممتلكات والبنيات التحتية.

 


ولفهم أكثر للأهمية الاستراتيجية لتحرير الحديدية، يشير الخبراء في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية إلى أن الاستراتيجية الحربية تقسم الأهداف العسكرية إلى أهداف استراتيجية “حاسمة” وأخرى “موضوعية”. حيث أن الأهداف الاستراتيجية “الحاسمة” تُمثلها المواقع التي تساعد على التقدم والحسم العسكري على مستوى مسرح العمليات ككل أو على مستوى إحدى جبهات القتال. أما الأهداف الاستراتيجية “الموضوعية” فهي المواقع التي يتم رسمها، ابتداءا، كأهداف رئيسية عند وضع الاستراتيجية الحربية (هنري أنطوان دي جوميني: “موجز فن الحرب”، ج1 ص194). وهنا يمكن الجزم بأن الأهداف الاستراتيجية “الموضوعية” في اليمن تتلخص في تحرير العاصمة السياسية صنعاء وإخضاع مركز الثقل العسكري ممثلا في محافظة صعدة، فيما تبقى الحديدة من أهم الأهداف الاستراتيجية “الحاسمة”، والتي سيشكل إخضاعها إيذانا ببداية العد العكسي للحرب في اليمن.
بمقتضى هذا الطرح، يمكن القول بأن تحرير الحديدة يبقى ضمن الأهداف الحاسمة لتحرير مجموع التراب اليمني من القبضة الإيرانية التي تحاول أن تجعل من اليمن قاعدة عمليات يتم استغلالها للانتقال لإخضاع باقي دول الخليج العربي لحكم دولة الولي الفقيه وتحقيق حلم حياة حكماء الدولة الصفوية.

 

 

* باحث في الجماعات الإسلامية

  •   
  •   
  •  
  •  

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات مغلقة.