المحرر الرباط
في عالم الضجيج الرقمي، حيث يتسابق الكثيرون على احتلال مساحات في الفضاء الافتراضي بأي وسيلة كانت، يبرز هشام جيراندو كنموذج مثالي لأولئك الذين قرروا أن النقد بلا ضوابط والهجوم بلا منطق هما أسرع وسيلتين للظهور. فهو ليس محللًا سياسيًا ولا صحفيًا استقصائيًا، وإنما مجرد مهرج رقمي احترف توزيع التهم واستعداء وطنه، حتى أصبح صورة نمطية للمعارض المزيف الذي يتاجر بالمواقف حسب العرض والطلب.
من يتابع مسيرة جيراندو يلاحظ بسهولة أن الرجل لم يجد يومًا قضية حقيقية ليدافع عنها، فاختار الطريق الأسهل: مهاجمة مؤسسات بلاده والتشكيك في كل ما يتحقق من إنجازات، وكأن الوطن لا يستحق سوى الشتائم والتشويه. يتحدث بجرأة مفتعلة عن الفساد، لكنه لا يقدم دليلًا واحدًا يدعم مزاعمه. يهاجم شخصيات عمومية، ويتفنن في تلفيق التهم لها دون سند قانوني أو أخلاقي، مستغلًا منصات التواصل الاجتماعي التي لا تطالب بأدلة أو براهين. فكل ما يحتاجه هو ميكروفون، كاميرا، وقليل من الدراما الرخيصة ليحصل على حفنة من المشاهدات، والتي يبدو أنها أصبحت مصدر رزقه الأساسي.
ليس غريبًا أن شخصًا مثل جيراندو يحاول باستمرار النيل من المؤسسة الملكية، فهذا ديدن أولئك الذين يبحثون عن الأضواء على حساب استقرار بلدانهم. لكنه لم يكن ذكيًا بما يكفي ليستوعب أن مكانة الملكية في المغرب ليست مجرد تقليد سياسي، بل هي ركيزة أساسية في تلاحم الشعب مع دولته. ظن لوهلة أنه يستطيع استمالة الجماهير عبر لغة التحريض، لكنه فوجئ بأن الملايين من المغاربة لا يتسامحون مع المتطاولين على رموزهم الوطنية. وهكذا، وبعد أن أشعل النار بلسانه، وجد نفسه مضطرًا للتراجع والتبرير والالتفاف، في محاولة بائسة لترميم صورته أمام جمهور لم يعد يثق به.
لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد، فهناك دائمًا تساؤل مشروع حول دوافع رجل مثل جيراندو. ما الذي يدفعه إلى هذا العداء المستمر لوطنه؟ ولماذا يصر على تبني خطاب مشحون يخدم أجندات خارجية أكثر مما يخدم الحقيقة؟ الإجابة قد تكون في مسألة التمويلات التي تحيط بها الكثير من علامات الاستفهام. إذ لا يمكن لمن يتابع مسيرته إلا أن يلاحظ كيف تحوّلت مواقفه من مجرد انتقاد عابر إلى حملة ممنهجة تتقاطع في أهدافها مع مصالح جهات معادية للمغرب. ولأن الأمور في هذا العالم لا تحدث مجانًا، فإن من المشروع التساؤل عن طبيعة العلاقات التي تربطه ببعض الأطراف التي لا تخفي عداءها للمملكة.
المفارقة أن هشام جيراندو، الذي يدّعي مناهضة الفساد، لم يجد أي مشكلة في أن يكون أداة بأجر في يد من يدفع أكثر. فهو لا يهاجم الجميع بنفس الحدة، بل يبدو انتقائيًا في “حملاته”، وكأن معاييره في الهجوم تتحدد وفق حسابات لا علاقة لها بالمصلحة العامة. وحتى عندما يحاول تقديم نفسه كصوت معارض، فإنه يفشل في بناء خطاب متماسك، لأن كل ما يملكه هو الشعارات الجوفاء والخطاب المكرر الذي لا يضيف جديدًا سوى المزيد من العداء لوطنه.
في النهاية، هشام جيراندو ليس سوى حلقة أخرى في سلسلة الأصوات التي تحاول تحقيق الشهرة من خلال تبني مواقف استفزازية. لكنه، على عكس ما يعتقد، ليس مؤثرًا بقدر ما هو ظاهرة عابرة، سرعان ما ستنطفئ مع الوقت. فالمغاربة، الذين يدركون الفرق بين النقد البناء والتشهير المغرض، لا يحتاجون إلى شخص مثله ليرشدهم إلى ما هو صواب أو خطأ. والمغرب، الذي تجاوز عبر تاريخه الكثير من التحديات، لن يتوقف عند تصريحات شخص لا يملك من أدوات التأثير سوى الضجيج