احداث سبتة: حصاد حكومة قتل الانتماء وزرع اليأس

المحرر

 

قد نختلف في تحليلاتنا وقراءاتنا لأسباب وتداعيات المشاهد المؤلمة التي وثقتها كاميرات الهواتف لجحافل المواطنين والشباب وهم يندفعون بنحو استعراضي وهستيري نحو الثغر المحتل بسبتة؛ غير أن هناك زاوية حاسمة وأساسية غفلت عنها أكثر القراءات والتحليلات السياسية، وتتمثل في أزمة الهوية والشعور بالانتماء التي باتت تشكل التهديد الحقيقي والمؤرق لمستقبل هذا الوطن.

إن الواقع الهجين والمؤسف الذي يشهده الرأي العام اليوم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج مباشر لتراجع الأدوار التربوية والثقافية الحقيقية، وفي ظل سياست عمومية ساهمت—عن قصد أو غير قصد—في إزاحة جيل كامل عن سكة الهوية والثوابت الوطنية. أليست حكوماتنا المتعاقبة هي التي فسحت المجال وخصصت منصات المال العام لدعم وتزكية ظواهر موسيقية ونماذج عبثية تبث خطابات اليأس والتمرد السلبي وتجمّل “فردوس أوروبا” المتخيل في أذهان الناشئة؟

ففي الوقت الذي يتلقى فيه هؤلاء مبالغ مالية ضخمة من ميزانيات المهرجانات والمؤسسات العمومية نظير اعتلاء المنصات، يتم تسويق نماذج واستعراضات تشجع على استهلاك السموم والانفصال عن الواقع وتعميق الاستقالة الاجتماعية لدى الشباب. وفي مقابل “الجيل الذهبي” الذي نشأ وتشبّع بأغاني ونغمات تزرع قيم الانتماء والتضحية من قَبيل “عيشي عيشي يا بلادي” و”نداء الحسن”، يجد شباب اليوم أنفسهم تحت تأثير خطابات فنية تفتقر للحمولة الوطنية والتربوية، وتُموَّل غفلةً أو تساهلاً من أموال المكلفين بالضريبة.

إن ما شهدته شواطئ وحدود سبتة ليس مجرد اندفاع نحو الهجرة أو بحث عن واقع أفضل، بل هو تعبير صارخ عن أزمة تأطير وحكامة ثقافية وتربوية؛ حيث تجد الحكومة نفسها أمام مسؤولية تاريخية حول طبيعة البرامج والنماذج التي تُقدّم للشباب، ومدى قدرتها على صيانة الهوية الوطنية وغرس روح الانتماء في وجدان الجيل الجديد بدلاً من ترهين حاضره ومستقبله للشعارات العابرة.

أعجبتك هذه المقالة؟ شاركها على منصتك المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد