المحرر
لم تكن الشعارات البراقة التي تدعي “فضح الفساد” والدفاع عن المظلومين سوى ستار هشّ سرعان ما تمزق تحت وطأة الحقائق الكاشفة؛ فما عجزت المزايدات الكلامية عن إخفائه طويلاً، فضحته التسريبات الصادمة التي نسبت لمجموعة “أطلس هاكرز”، والتي وضعت حداً فاصلاً بين الادعاء والواقع، كاشفةً كيف تحول هشام جيراندو إلى مجرد أداة رخيصة في يد شبكات التهريب الدولي للمخدرات، تُحرَّك عن بعد لتصفية الحسابات بين البارونات المتنافسين، واستهداف المنظومة الأمنية التي أغلقت في وجوههم كل المنافذ.
لقد اختار الرجل أقصر الطرق لتحصيل المال السهل، مستمتعاً بتدفق التحويلات المالية القادمة من جيوب تجار السموم، والذين وجدوا في منصاته شاشة رخيصة يمررون عبرها رسائل التهديد والابتزاز.
لم يكن الأمر يوماً نضالاً ولا دفاعاً عن قضايا وطن، بل تجارة دنيئة تقتات على بؤس الأكاذيب؛ حيث يتم استلام الأموال بالعملة الصعبة مقابل النباح الإعلامي والتشويش الممنهج على المؤسسات الأمنية التي وجهت ضربات قاصمة لعصابات الجريمة المنظمة، وضيقت الخناق على قوافل تهريب المخدرات نحو الضفة الأوروبية حتى جففت منابعها.
إن الهجوم المسعور الذي يقوده جيراندو ومن يحركه ضد الأجهزة الأمنية ورجالاتها ليس سوى فصل من فصول مخطط مافيوزي مكشوف، يهدف في جوهره إلى ممارسة ضغط نفسي وإعلامي يائس، ظناً منهم أن مؤسسات الدولة قد تطأطئ رأسها أو تتراجع قيد أنملة أمام ابتزاز المهربين.
الواقع أثبت أن الضربات الأمنية الاستباقية لم تزد المؤسسات إلا صلابة، وكلما اشتد الخناق على البارونات زاد صراخ أبواقهم المستأجرة، في مشهد يعكس حالة الإفلاس والتخبط التي يعيشها هؤلاء وتفضحها كل يوم تسريبات ومعطيات الواقع.
وإذا كان جيراندو وممولوه من كارتيلات المخدرات يتوهمون أن بإمكانهم ليّ ذراع دولة تمتد في عمق التاريخ لثلاثة عشر قرناً، فهم واهمون ولا يفقهون شيئاً في منطق الدول وهيبة التاريخ. فالمغرب الذي صمد وبنى أمجاده عبر العصور لن تهزه أصوات نشاز تُباع وتُشترى في أسواق النخاسة الرقمية، ونهاية هذه الفقاعات المبتذلة باتت أقرب مما يتصورون بعدما سقطت آخر أوراق التوت عن وجوههم.
وفي خضم هذه المعطيات، تبرز علامات استفهام كبرى حول الموقف الكندي؛ فاستمرار احتضان مثل هذه العناصر المورطة في تبييض أموال المخدرات واستغلال أراضيها كمنصات للابتزاز والتحريض ضد مؤسسات ذات سيادة، يضع كندا في خانة الحرج الأخلاقي والقانوني، ويجعلها في نظر التاريخ شريكاً بالصمت في حماية شبكات إجرامية تلفظ أنفاسها الأخيرة. لقد انتهت اللعبة، ولم يتبقَ لجيراندو سوى انتظار الحساب الذي لا مفر منه، حين تنفض عنه شبكات المهربين بعد أن استنفد صلاحيته كورقة محروقة.