المحرر
شكّل اللقاء التواصلي الأخير الذي عقده حزب الأصالة والمعاصرة بمنطقة أجلموس محطة فارقة في مسار الحضور السياسي لفوزي لقجع؛ حيث نجح عضو المكتب السياسي لـ”الجرار” في الارتقاء بمستوى الخطاب الحزبي، ملامساً بدقة متناهية القضايا والانشغالات الحقيقية التي ينتظر المواطن البسيط سماعها من رجل الدولة والفاعل السياسي.
وأظهرت الكلمة التي ألقاها لقجع أمام ساكنة أجلموس تحولاً لافتاً في أدائه الاتصالي؛ إذ بدا جلياً أنه استوعب سريعاً دروس خرجاته الأولى التي رافقتها بعض الهفوات المفهومة لرجل يقتحم غمار الخطابة الحزبية المباشرة لأول مرة. هذا الانتقال السريع من مرحلة البدايات إلى مربع الاحتراف عكس ذكاءً سياسياً وحنكة في بناء الرسائل وتوجيهها للشارع.
ولعل الاستهلال الذي اختاره لقجع لخطابه يعكس تحضيراً مسبقاً ودقيقاً للقاء، واطلاعاً عميقاً على الخصوصية التاريخية والاجتماعية للمنطقة؛ فالاعتراف الصريح والذكي بفضل قبائل زيان وتاريخها المرجعي في الدفاع عن الثوابت الوطنية وصناعة أمجاد المؤسسة العسكرية المغربية، لم يكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل خطوة سياسية مدروسة تخاطب الوجدان الجمعي لساكنة اعتادت الصدق والمكاشفة.
ولم يتوقف التميز عند حدود الديباجة التاريخية، بل امتد إلى صلب الواقع المعاش عبر تشريح دقيق لملفات الصحة، والتعليم، والفوارق الاجتماعية، وتطلعات الشباب؛ وهي محاور وضع لقجع يده عليها كأولويات حارقة، ليصبح من الأوائل الذين يلامسون مكمن الخلل الحقيقي، ليس فقط في المشهد الحزبي العام، بل حتى داخل التوجهات التدبيرية لـ”الجرار”.
وسواء اتفق المتتبعون مع الرجل أو اختلفوا معه، فإن نقطة القوة التي ميزت ظهوره بأجلموس تكمن في عفويته وميله للبساطة والوضوح في مخاطبة الناس، بعيداً عن الخشبية ولغة التعالي. هذه المقاربة التواصلية كفيلة بخلخلة الصورة النمطية التي لاحقت حزب الأصالة والمعاصرة لسنوات ككيان نخبوي يرتبط بـ”أصحاب ربطات العنق” ورجال المال والأعمال.
إن السرعة الفائقة التي استوعب بها لقجع أبجديات المنازلة السياسية تقدم تفسيراً منطقياً لحالة الاستنفار وردود الفعل المتشنجة لدى خصومه في الهيئات المنافسة، وتبرر تركيز الهجمات عليه تحديداً؛ إدراكاً منهم لما يمتلكه من كاريزما وقدرة على استقطاب القواعد وتغيير موازين القوى.
وإذا ما حافظ فوزي لقجع على هذه النبرة الصادقة والمقاربة الميدانية القريبة من هموم المواطنين، فإن بإمكانه قيادة “الجرار” نحو آفاق ونتائج انتخابية غير متوقعة، تخرجه من دائرة الارتباك وتضعه في قلب المنافسة الحقيقية، شريطة أن تنضبط باقي القيادات الحزبية وتتجنب الحسابات الضيقة والأخطاء غير المحسوبة التي قد تجهض هذا الزخم المتصاعد.