المحرر
كلما ضاق الخناق على شبكات الابتزاز وتجارة السموم، إلا وتطايرت شظايا حقدهم لتصيب المؤسسات التي تقف سداً منيعاً أمام مخططاتهم؛ لكن هذه المرة جاءت الضربة قاصمة ومن حيث لم يحتسبوا، بعدما أسقطت تسريبات مجموعة “أطلس هاكرز” ورقة التوت عما تبقى من عورات الخونة، كاشفة بالصوت والدليل حقيقة المؤامرة التي تُحاك خيوطها عبر القارات ضد الأمن المغربي ومديره العام عبد اللطيف حموشي.
التسجيلات الأخيرة لم تترك مجالاً للشك أو التأويل؛ فالرأي العام يقف اليوم أمام مشهد بئيس يجمع بين طرفين يتقاسمان الخيانة وتفرقهما الجغرافيا: الحسين المجدوبي، الذي يدعي صفة الصحفي والباحث وهو يقيم في بريطانيا، وهشام جيراندو، النصاب والمبتز المقيم بكندا. لقاء مشبوه بين “صحفي طوابري” بالنهار ومخبر وسمسار بالليل، وبين “بزناس رقمي” يقتات على تبييض الأموال والسلع المقلدة وخدمة بارونات المخدرات.
لقد فضحت “أطلس هاكس” مصدر الترهات التي كان جيراندو يتبجح بنسبها لـ”مصادر عليمة” داخل أجهزة الدولة؛ فتبين أن تلك المصادر ليست سوى المجدوبي نفسه، الذي يجلس وراء شاشته في إنجلترا ليصنع سيناريوهات مفبركة ومعلومات مضللة، ثم يمررها لهذا البيدق في كندا ليصرخ بها أمام الكاميرات في استهداف مباشر وممنهج للمديرية العامة للأمن الوطني ومسؤوليها.
ولعل السؤال الذي يطرحه كل مغربي اليوم: لماذا يزعج عبد اللطيف حموشي هذه الشرذمة إلى هذا الحد؟ الجواب يعرفه العدو قبل الصديق، ويشهد به القريب والبعيد؛ فمنذ تولي الرجل قيادة قطب المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، انقلبت القواعد رأساً على عقب، ودخلت المؤسسة عهداً غير مسبوق من الحكامة والجدية والمسؤولية والقطع مع كافة أشكال الزبونية.
في عهد الحموشي، سقط منطق “باك صاحبي” وتوارى إلى الأبد، خصوصاً في امتحانات ولوج أسلاك الشرطة التي باتت عنواناً ناصعاً لتكافؤ الفرص والشفافية التامة؛ حيث يجتاز عشرات الآلاف من أبناء وبنات الشعب المغربي الكادحين تلك المباريات بالاستحقاق وحده، ودون حاجة لوساطة أو محسوبية. هذا التحول الأخلاقي والمؤسساتي هو تحديداً ما يغيظ تجار الفتنة، لأن مؤسسة أمنية قوية ونزيهة تعني إغلاق كل المنافذ أمام الاختراق وتجفيف منابع الارتزاق.
لقد “زَمط” الحموشي الخونة، وضيّق الخناق على أوهام الانقلابيين والمرتزقة في الداخل والخارج، ولهذا جن جنون المجدوبي وجيراندو ومن يحركهم؛ فتحالف البؤس لنسج أكاذيب عابرة للحدود، تبدأ من بريطانيا وتمر عبر كندا لتستهدف المغرب، في محاولة يائسة لتبخيس منجز أمني بات يحظى باحترام وتقدير أكبر الأجهزة الاستخباراتية في العالم.
وتبقى المفارقة الساخرة هي أن هذا “المناضل الرقمي” الذي يملي عليه المجدوبي ما يقوله، حتى وإن طُلب منه التحدث بالفرنسية لاستغباء مغاربة العالم، لا يتقن تركيب جملة واحدة سليمة؛ فخرجت تدويناته كحقل ألغام من الفضائح الإملائية والجهل الفاضح الذي لا يليق حتى بتلميذ مبتدئ، مؤكداً للمغاربة أنه مجرد أداة فارغة تتلقى الإملاءات وتتحرك كالأراجوز.
إن مسلسل الكذب والزور الذي تقوده هذه الثنائية البئيسة احترقت حلقاته بالكامل؛ والمغاربة اليوم يوجهون التحية لمجموعة “أطلس هاكس” التي عرت هؤلاء السماسرة أمام التاريخ، وأكدت أن الارتزاق ضد الوطن مهما تخفى وراء الشعارات والنضال المزيف، لن يصمد أمام حقائق الميدان ونزاهة الرجال الذين نذروا أنفسهم لحماية أمن البلاد واستقرارها.