المحرر
سواء اختلف المتابعون أو اتفقوا مع المسار السياسي لعزيز أخنوش، فإن ما شهدته قبة البرلمان خلال إلقاء جلالة الملك لخطابه السامي لم يكن مجرد زلة عابرة أو هفوة بسيطة، بل سقطة بروتوكولية مكتملة الأركان تعكس غياباً تاماً لأدنى مقومات الاحترام والتوقير اللازمين لمقام السلطان والرمزية العظمى للمؤسسة الملكية التي تمثل وحدَة الأمة وثوابتها الراسخة.
اللافت في هذا المشهد لم يكن فقط طريقة الجلوس المستفزة والمحاطة بقلة اللباقة من طرف رئيس حكومة ما زال يُفترض أنه يدبر الشأن العام ويمثل الوجه المؤسساتي للجهاز التنفيذي، بل ذلك التواطؤ الصامت والخرس الناعم الذي أصاب معظم المحللين والدوائر الإعلامية التي عادة ما تقيم الدنيا ولا تقعدها عند أبسط الهفوات، حيث حاول البعض عبثاً التغطية على المشهد المشين بتبريرات واهية ومخترعة تسوق أعذاراً صحية لا تقبلها أبسط قواعد اللباقة السياسية والوطنية.
وهنا يطرح السؤال الحارق نفسه بقوة، ماذا لو كان بطل هذه اللقطة المسربة هو عبد الإله بنكيران أو عبد اللطيف وهبي أو نبيل بنعبد الله؟ هل كانت هذه الأقلام ستلوذ بالصمت المطبق؟ أم أنها كانت ستدبج المقالات النارية عن استهداف هيبة الدولة والمساس بالتقاليد المرعية للمملكة؟ إنه الكيل بمكيالين الذي يكرس الانتقائية في التعاطي مع رموز الدولة وأعرافها العريقة.
الردود الغاضبة التي عجت بها المنصات تعكس وعياً شعبياً عميقاً بأسس الدولة الشريفة، حيث تضاربت القراءات والتحليلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التصرف، بين من يرى أن أخنوش حزم أمتعته المعنوية واستعد للرحيل النهائي عن المعترك السياسي وبات لا يبالي بأي عرف أو لياقة بعدما شعر بانتهاء دوره وفقدانه للغطاء السياسي، ومن يذهب إلى أن الطريقة المستفزة في الجلوس تعبر عن حالة من الغضب الدفين والتبرم النفسي عقب التراجع الملحوظ والمدوي لحزبه في الاستحقاقات الأخيرة وسقوط أوهام الهيمنة المطلقة.
لقد مرت أمام جلالة الملك، عبر العقود، وفود من كبار مسؤولي العالم، ورؤساء دول عظمى، وسفراء وشخصيات استثنائية، ولم يسجل التاريخ أن أحداً منهم تجرأ على الجلوس بذاك الاستهتار اللفظي والجسدي، بل إن مستشاري جلالته وأقرب أصدقائه وأفراد أسرته الشريفة يخضعون بأعلى درجات الانضباط لأعراف المملكة وقواعد التوقير. وفي نفس اللحظة التي كان فيها أخنوش يجلس بتلك الطريقة المستفزة، كان مستشار جلالة الملك السيد فؤاد عالي الهمة يجلس بكل انضباط ووقار، واضعاً يديه على ركبتيه وفق ما تقتضيه أدبيات البروتوكول المغربي الأصيل وقواعد المخاطبة والجلوس في الحضرة الشريفة.
إن هذا التصرف الأرعن لا يمثل إساءة لشخص رئيس الحكومة وحده، بل يُعد تطاولاً صريحاً على هيبة ملك البلاد التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من كرامة وهيبة الشعب المغربي قاطبة، وهو أمر يستوجب موقفاً صارماً يضع حداً لمثل هذه التصرفات التي تسيء لمؤسسات الدولة وتقاليدها العريقة التي طالما شكلت درعاً منيعاً لاستقرار البلاد وهيبتها بين الأمم.