المحرر
كشفت المعطيات الدقيقة الحقيقة كاملة وراء طلب الإعفاء الملكي الذي تقدمت به رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في حق ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل؛ إذ تبين، خلافاً للروايات الشائعة والتأويلات السطحية المتداولة، أن السبب الرئيسي للإعفاء لم يكن بتاتاً ملف “الشيكات بدون رصيد” القديم.
فمن الناحية القانونية والمؤسساتية الصارمة، يُعتبر ملف الشيكات من القضايا المتجاوزة التي يسقط أثرها القانوني والتنفيذي بموجب إسطار ومسطرة “رد الاعتبار” القضائي، وهي القواعد التي تُعادل حكماً باتاً لا يمكن تحقيره أو اعتماده كذريعة لإسقاط الأهلية التكليفية والسياسية لأي مواطن.
غير أن العقدة الحقيقية والحاسمة تمثلت في الشهادة الطبية التي استصدرها أقارب خيير سنة 2004 للدفوعات القضائية؛ وهي الوثيقة التي ساعدتها آنذاك في نيل ظروف التخفيف والملاذ القانوني، لتتحول اليوم إلى السيف الذي أطاح بوجودها داخل التشكيلة الحكومية.
تضمنت تلك الوثيقة الطبية تشخيصاً وتفاصيل خطيرة تفيد بإصابة المعنية بالأمر بـ “اضطرابات نفسية حادة تجعلها تشكل خطراً على نفسها وعلى الآخرين”، مشيرة إلى قيامها بـ “محاولات انتحار متكررة”. وأمام هذه المعطيات الطبية والوثائق الموثقة رسمياً، أصبح من المستحيل منطقياً وسياسياً ومؤسساتياً القبول باستوزار أو إسناد مسؤولية حكومية قطاعية لشخصية تُثبت الوثائق عدم اتزانها النفسي؛ فالأمر يتعدى الأخطاء الإدارية التي يمكن إصلاحها برد الاعتبار إلى مسألة الأهلية الشاملة لإدارة المرافق العمومية الحساسة.
لقد حمل هذا القرار التعاطي الفوري والحازم لقيادة التحالف الحكومي، لتأكيد حرص الدولة وأجهزتها على ضمان أعلى مستويات الحكامة والأهلية الشاملة لدى كبار مسؤوليها، وتفادي وضع القطاعات الاستراتيجية بين أيدي أسماء تدور حولها تشكيكات تمس أهليتها واستقرارها الشخصي والمؤسساتي.