المحرر
إن الحديث عن الأداء السياسي والحكومي في المغرب يضعنا أمام مفترق طرق حقيقي يستدعي قراءة متأنية لخلفيات مرحلة تركت ندوباً واضحة على المعيش اليومي للمواطنين وأمنهم الغذائي والاجتماعي.
لقد عاش المغاربة طيلة السنوات الماضية تحت وقع سياسات اقتصادية واجتماعية اتسمت بغياب النجاعة والتدبير المتبصر، حيث جرى تكديس الدعم المالي الهائل في قطاعات حيوية كالفلاحة عبر مشاريع كبرى التهمت مئات الملايير من الدراهم دون أن ينعكس ذلك على تعزيز السيادة الغذائية للبلاد، بل كان مآلها العجز والتراجع المفضوح الذي تجسد في أزمات غير مسبوقة شملت ارتفاع أسعار المواد الأساسية، واللجوء القسري إلى استيراد اللحوم والأغنام، وصولاً إلى العجز عن إحياء شعائر دينية واجتماعية راسخة في وجدان المغاربة.
ولم تقتصر تبعات تلك المرحلة على الجانب المعيشي فحسب، بل رافقها احتقان غير مسبوق في المشهد السياسي والبرلماني، واقتران تدبير الشأن العام بتداخل مقيت بين السلطة والمال، مما أفرز شعوراً عاماً بالغبن والتهميش لدى فئات عريضة من المجتمع، لا سيما الجيل الجديد الذي وجد نفسه مضطراً للتعبير عن رفضه للفساد وتردي الأوضاع في الشارع، في وقت كان فيه رموز تلك المرحلة منشغلين بمراكمة الثروات وتأمين المصالح الضيقة على حساب الاستقرار الاجتماعي للمملكة.
وأمام هذا الإرث الثقيل، بات لزاماً على المشهد المؤسساتي والدستوري طي الصفحة والقطيعة التامة مع أساليب التدبير البهلواني وربط المسؤولية بالمحاسبة بصرامة وجدية.
إن الرهان اليوم ليس هو البحث عن أعذار واهية أو محاولة تجميل تركة الفشل، بل يكمن في إرساء دعائم حكامة حقيقية تضع المواطن في صلب الاهتمام، وتُعيد الهيبة للقانون عبر إنفاذه على الجميع دون استثناء أو محاباة، سواء تعلق الأمر بردع الانفلاتات المرورية وخطاب التفاهة الذي بات يهدد منظومة القيم الأخلاقية، أو من خلال تفعيل المتابعات القضائية الصارمة في حق كل من تورط في تبديد المال العام والإضرار بالمصالح العليا للوطن.
إن المغرب اليوم، وهو يستشرف آفاقاً جديدة تدير دفتها حكومة كفؤة تستجيب لتطلعات الشارع، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إرادة سياسية صلبة تحصن مؤسساته، وتحمي أمنه الاقتصادي والاجتماعي، وتضمن أن تظل مقدرات البلاد وثرواتها موجهة لخدمة التنمية الشاملة ورفاهية المواطنين لا لإغناء شبكات الريع والزبونية.