بقلم الدكتور يونس الشامخي
يعتبر اختصاص تعيين رئيس الحكومة اختصاصا أصيلا للمؤسسة الملكية، يندرج ضمن الاختصاصات التنفيذية لشخص الملك، فهي بذلك وظيفة انفرادية، تأتي نتيجة تراكمات سياسية منذ العهد السلطاني، التي تجلت في تبعية المخزن كحكومة تقليدية للسلطان الذي يرأسها، لتتطور هذه الممارسة حتى بعد الاستقلال، مرورا بكل الدساتير المغربية، حيث أصبح الملك -السلطان قبل الحماية- ينفرد بتعيين رئيس الحكومة (الوزير الأول سابقا) والوزراء باقتراح منه.
وتشمل سلطة الملك في التعيين بموجب الدساتير المغربية سلطة تعيين رئيس الحكومة والوزراء، فبعد أن كانت دساتير 1962 و1970 و1972 إلى غاية 1992 لا تجيز للوزير الأول اقتراح تعيين الوزراء على الملك، ودون الحاجة إلى تزكية البرلمان حتى تعد منصبة، بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، إلا أن الدساتير اللاحقة عليها بعد مراجعة دستور 1992 ودستور 1996 ستشكل قطيعة مع الوضعية السابقة بتحول نسبي؛ عبر التقليص من الصلاحيات الواسعة للمؤسسة الملكية في مجال تعيين الحكومة ورئيسها، مع تعزيزها لمكانة مؤسسة الوزير الأول (رئيس الحكومة حاليا)، بإشراكه في عملية تشكيلها عن طريق إقرار حق اقتراح الوزراء على الملك، من جهة، مع إلزامية، من جهة أخرى، عرض البرنامج الحكومي الذي تعتزم الحكومة تطبيقه على البرلمان، حتى تعد منصبة.
إلا أن كل هذه التحولات النسبية في تعيين الوزير الأول والوزراء لم تكن مقيدة بالعامل الحزبي الذي يجعل الوزير الأول، آنذاك، معينا من الأغلبية المطلقة ورهينا بمدى موافقتها على برنامج حكومته، ذلك أن القراءة الصحيحة للفصل 59 من دستور 1992 والفصل 60 من دستور 1996 تفيد بتواجد تمايز محددا بين المسؤولية والتنصيب الذي يقتضي إحالته على التصويت بموجب الفصل 74 من دستور 1992 والفصل 75 من دستور 1996، وهما الفصلان اللذان يقتضيان توفر الأغلبية المطلقة لاستقالة الحكومة، باعتبار الأمر يتعلق بمسؤولية الحكومة وليس بتنصيبها من طرف البرلمان؛ مما يوحي بعدم إلزامية الملك بتعيين الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية.
ويعتبر الفصل 47 من دستور 2011 مقارنة مع الفصل 24 من دستور 7 أكتوبر 1996، الحد الفاصل مع الصلاحية المطلقة للملك في اختيار رئيس الحكومة، بتقيد نطاقها، عبر الانتقال من التعيين الملكي للوزير الأول إلى التعيين الرمزي والشكلي من لدن الملك لرئيس الحكومة، مما يلزم الملك بتعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، وهذا ما يعني أن دستور 29 يوليوز 2011، ذهب إلى دسترة المنهجية الديمقراطية في تعيين رئيس الحكومة، وبالتالي الانتقال من دستور 1996 الذي يعتمد على شرعية التعيين المطلق للملك إلى دستور 29 يوليوز 2011 الذي ينبني على شرعية نتائج الانتخابات.
ولا يقتصر التحول الذي أقره دستور 2011 في مجال تعيين رئيس الحكومة على إعادة تنظيم العلاقة بين الإرادة الملكية والنتائج الانتخابية، وإنما يفتح كذلك المجال أمام إشكال آخر يتعلق بالشخصية التي يمكن أن تتولى هذا المنصب، وبخاصة مدى إمكانية أن تكون امرأة. ذلك أن الفصل 47 من الدستور، حين جعل تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، لم يربط تولي هذا المنصب بأي شرط يتعلق بجنس من يتولاه، ولم يجعل الذكورة قيدا على ممارسة وظيفة رئاسة الحكومة. وبذلك، لا يحول الإطار الدستوري، من حيث المبدأ، دون إسناد رئاسة الحكومة إلى امرأة، متى انتمت إلى الحزب المتصدر للانتخابات واستوفت الشروط القانونية والدستورية المطلوبة.
وتتجاوز أهمية هذه المسألة مجرد التساؤل عن إمكانية وصول المرأة إلى رئاسة الحكومة، لتتصل بطبيعة الهامش الذي ظل قائما في ممارسة الملك لاختصاص التعيين بعد دسترة المنهجية الديمقراطية. فإذا كان الدستور قد قيد التعيين بالحزب الذي تصدر الانتخابات، فإنه لم يحدد، في المقابل، بصورة تفصيلية كيفية اختيار الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة من داخل هذا الحزب. ومن هنا تبرز إشكالية مدى امتداد الاختيار الملكي إلى الشخصية المقترحة لرئاسة الحكومة، وما إذا كان من الممكن أن ينصرف هذا الاختيار إلى امرأة، دون أن يشكل جنسها عائقا دستوريا أمام توليها المنصب. وعلى هذا الأساس، تبدو مسألة تعيين امرأة على رأس الحكومة أقرب إلى أن تكون إشكالية مرتبطة بحدود الاختيار داخل القيد الدستوري، أكثر من كونها إشكالية تتعلق بوجود مانع دستوري يحول دون تولي المرأة رئاسة الحكومة.
ويترتب على صلاحية الملك في تعيين مسؤولية الحكومة أمام الملك وهي المسؤولية التي تجد سندها الدستوري في الفصل 25 من دستور 1996 والفصل 48 من دستور 2011 الذي يجعل من الملك رئيسا لمجلس الوزراء، الذي تعرض فيه أهم القضايا التي تهم السياسات العمومية، لذلك فالحكومة التي يعينها الملك يمكن أن يعفيها بمحض إرادته كلما توفرت الأسباب والدوافع السياسية أو أي عملية تستدعي مباشرة سلطة الإعفاء. ليكون بذلك دستور 2011 قد احتفظ بإمكانية الملك بإعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، مع إضافة إمكانيتين وهما: إما بمبادرة من الملك بعد استشارة رئيس الحكومة أو بطلب من رئيس الحكومة نفسه.
كما أن للملك سلطة إعفاء رئيس الحكومة المعين، كلما تبين له ذلك، وهو اختصاص أصيل، يندرج ضمن روح الوثيقة الدستورية بشكل ضمني، بمقتضى الفصل 47 من الدستور 2011، باعتباره الساهر على احترام الدستور، وعلى حسن سير المؤسسات، والمؤتمن على المصالح العليا للوطن والمواطنين. وكذا بشكل صريح ومباشر، وفقا للصلاحيات المخولة له طبقا للفصل 47 الذي يمنحه سلطة تعيين رئيس الحكومة، والتي توازيها وتقترن بها سلطة إعفائه، استنادا لقاعدتي توازي الاختصاص والشكليات التي يؤول بموجبها الاختصاص بالإعفاء إلى السلطة المختصة بالتعيين. وهكذا فإن القرارات التي يتخذها الملك في إطار صلاحياته في التعيين يمكن وضع حد لها بموجب سلطته في الإعفاء والتأديب بشكل عام.