تتجه الأنظار نحو الشارع الفرنسي الذي يعيش منذ أيام على وقع موجة عارمة من الاحتجاجات الاجتماعية، حيث تصر باريس على اعتماد المقاربة القمعية واستعراض القوة في مواجهة شباب قاصرين، بغرض تخويفهم وثنيهم عن مواصلة الاحتجاج.
وتطرح الأعداد المرتفعة للاعتقالات، والارتفاع المقلق في حصيلة الإصابات المسجلة في صفوف التلاميذ واليافعين، تساؤلات حقيقية حول احترام المقاربة الأمنية الفرنسية للمبادئ الحقوقية والمعايير الدولية في التعامل مع التجمعات والأشكال الاحتجاجية السلمية.
وتاريخيا، عرفت فرنسا بمقاربتها القمعية في التعاطي مع مختلف الحراك الاحتجاجي، وهو ما تجلى بوضوح خلال حراك السترات الصفراء، حين وجهت عدة منظمات أممية انتقادات حادة لباريس بسبب تعاملها العنيف مع المظاهرات، معربة عن انزعاجها البالغ من تغليب الخيار الأمني على قواعد حقوق الإنسان.
وفي مقابل هذه التجاوزات الميدانية، يبرز التعاطي الإعلامي الفرنسي في أبهى صور ازدواجية المعايير وازدواجية الطرح، ففي الوقت الذي تتعاطى فيه المنصات والقنوات الفرنسية بأسلوب مبرر أو متغاض عن القمع القاسي للمحتجين والقاصرين داخل أراضيها، تنصّب نفسها خبيرا وناقدا في تغطية الشؤون الداخلية والمحطات الاجتماعية التي تشهدها المملكة المغربية.
وبدلا من إعطاء الأولوية لمعالجة الأزمات الهيكلية والمشاكل الاجتماعية المتفاقمة في الداخل الفرنسي، تُصر بعض الأبواق الإعلامية على ممارسة الأستاذية والتدخل في الشؤون السيادية للمغرب.
وعلى العكس من المشهد المأزوم في باريس، أظهرت طريقة تدبير السلطات المغربية للاحتجاجات الأخيرة عن كفاءة عالية وحرفية مشهودة خلال مختلف الديناميات والاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها المملكة، ولا سيما خلال احتجاجات “جيل زد” (Gen Z).
حيث قدم المغرب أنذاك نموذجا ناجحا في تدبير الشارع قائم على ضبط النفس، والاحتواء الذكي والسيطرة المرنة، بما يضمن الحفاظ على النظام العام مع ضمان الحريات العامة والتظاهر السلمي المكفول دستوريا.
إن هذه المفارقة الصارخة بين تعامل الأمن الفرنسي القائم على العنف المفرط ضد القاصرين وبين الحرفية العالية لرجال الأمن المغربي تؤكد أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ دولة المؤسسات والحقوق، وتجعل من الأصوات الأجنبية المطالبة بتقييم الوضع بالمغرب مجرد محاولات لتصدير أزماتها الداخلية للهروب من واقعها الحقوقي المتدهور.