لماذا انفرد لقجع بقطاع المالية؟

المحرر الرباط

 

يحمل تعيين فوزي لقجع وزيراً للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، مع إلغاء منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أبعاداً ورسائل سياسية وإدارية بالغة العمق؛ إذ يُشكل هذا التحول اعترافاً باستثنائية الرجل ومكانته المحورية في هندسة الدولة المالية والسياسية.  

ثقة ملكية وتتويج لكفاءة التسيير

يأتي انفراد لقجع بقلب الميزانية والسياسة المالية بدون “مساعد أو منتدب” ليعكس حجم الثقة المولوية السامية والارتياح الكبير لكفاءته في تدبير أدق وأخطر الملفات الميزانياتية على مدى السنوات الماضية. لقد أثبت لقجع قدرة عالية على ضبط التوازنات الماكرو-اقتصادية، مما جعل الدوائر العليا تفضل إسناد الحقيبة المالية له كاملة، بعيداً عن التجاذبات الإدارية والتشويش السياسي الذي قد ينتج عن وجود وزير منتدب إلى جانبه.  

مكافأة الدور الاستراتيجي في الانتخابات

لا يمكن فصل هذه الترقية عن الحضور القوي والأثر الملموس الذي أحدثه لقجع خلال الدينامية الانتخابية الأخيرة؛ حيث واكب جهود حزب الأصالة والمعاصرة وتصدره المشهد السياسي. ويُعد منحه هذا الموقع الاستراتيجي تقديراً سياسياً وثمناً طبيعياً لكفاءة أثبتت نجاعتها ميدانياً وفي مراكز القرار على حد سواء.  

تحميل كامل المسؤولية وحصاد التحديات

بجلوسه وحيداً على عرش وزارته بصلاحيات موسعة، يجد لقجع نفسه أمام اختبار التدبير المباشر الشامل لنتائج الولاية الحكومية القادمة لـ 5 سنوات؛ فهو التكليف الذي يرفق بتحمل كامل المسؤولية عن النجاح أو التراجع. وهو خيار يحمل في طياته الرهان على شخصه كرجال دولة قادرين على العطاء في أصعب الظروف دون حاجة لوساطات تنفيدية.  

صيانة لسمعة كادر وطني بعيداً عن حرق الأسماء

تدرك صناعة القرار في البلاد الحظوة والشعبية الكبيرة التي يتمتع بها لقجع لدى الشارع المغربي والرأي العام بفضل نجاحاته المتعددة؛ وبالتالي فإن الاحتفاظ به في أجهزة المالية بصفته مهندساً وموازناً للسياسات، بعيداً عن صدامات وصراعات رئاسة الحكومة الشاقة، يُشكل خطة ذكية للحفاظ على رصيده وسمعته كرمز للتوازن الوطني وقريب من جميع القوى السياسية والحزبية.

التفرغ للرهان القومي: ملف مونديال 2030

إلى جانب الحسابات المالية والإدارية، يُشكل تعيين لقجع بعيداً عن صراعات وضغوطات رئاسة الحكومة خطوة حاسمة لمساعدته على التفرغ التام لتدبير ملف كأس العالم 2030. وهو الملف التاريخي الذي لعب فيه لقجع دوراً محضوراً ومحورياً حسم من خلاله للمغرب شرف الاستضافة الثلاثية إلى جانب إسبانيا والبرتغال.

إن أعباء وتنظيم حدث عالمي بحجم المونديال يتطلب تركيزاً استراتيجياً وجهداً خرافياً لا يمكن ضمان نجاحه في ظل تقلد مهام رئاسة الحكومة، التي تستنزف الوقت والجهد في المزايدات الحزبية والتدبير اليومي للتفاصيل السياسية؛ مما يجعل بقاءه على رأس المالية رافعة أساسية لتوفير الاعتمادات الميزانياتية واللوجستية اللازمة لرفع هذا التحدي الوطني الأكبر.

تنزيل الرؤية الملكية والجهوية الموسعة

بات من الواضح جداً أن الدولة تعتمد بشكل استراتيجي ومحوري على فوزي لقجع في تنزيل الرؤية الملكية المستقبلية، ولا سيما تلك المتعلقة بمشروع الجهوية الموسعة الذي تحدث عنه جلالة الملك أكثر من مرة في خطاباته السامية باعتباره رافعة أساسية للتنمية الترابية الشاملة والمستدامة.

إن تنزيل هذا الورش الملكي الهيكلي يتطلب تكاليف مالية ضخمة واستثمارات كبرى، يفرض توجيهها وصرفها بطريقة معقلنة وحكيمة تضمن أقصى درجات النجاعة والشفافية. وهو ما يمتلك لقجع القدرة والمقومات للقيام به بكل سلاسة واحترافية، بفضل ما تراكم لديه من خبرة ميدانية واسعة، وكفاءة عالية، واستقامة ونظافة يد جعلت منه حجر الزاوية في ضمان الحكامة المالية للمشاريع الكبرى للدولة.

مواكبة الطفرة الاقتصادية ودور “شرطي الاقتصاد” 

تفرض الطفرة الاقتصادية والصناعية الكبرى التي تقبل عليها المملكة المغربية اليوم وجود رجل مالية بمواصفات حازمة وخبرة متراكمة؛ وهو الدور الذي يلعبه لقجع باقتدار بصفته “شرطي الاقتصاد” الوطني. إن هذه المرحلة الاستثنائية تتطلب قدرة عالية على هندسة قوانين مالية دقيقة وموزونة توازن بدقة بين تقديم الدعم وتحفيز الاستثمار وتشجيع رؤوس الأموال من جهة، وبين الاقتطاع الضريبي الصارم وحماية حقوق الدولة وخزينتها من جهة أخرى.

لقد أثبتت التجربة المتراكمة للقجع أنه يمتلك الحزم والجرأة الكافيتين لتنفيذ تشريعات مالية تضمن تحصيل المستحقات العمومية وتطبيق القانون العدلي، وفي الوقت ذاته توفير المظلة الداعمة والمشجعة للمستثمرين والقطاع الخاص، بما يضمن استدامة الطفرة الصناعية والتنموية التي تشهدها البلاد

رد اعتبار وانتصار سياسي على المزايدات الانتخابية 

في النهاية، لا يمكن قراءة تعيين فوزي لقجع وحيداً على رأس وزارة المالية بمعزل عن أبعاده السياسية والمعنوية؛ إذ يُعد هذا القرار بمثابة رد اعتبار صريح وانتصار مستحق للرجل عقب التصريحات اللامسؤولة والهجمات المجانية التي تداولها الشارع والرأي العام خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، والتي نُسبت لبعض قياديي الأحزاب المعزولة (التي انتهى وجودها في الأغلبية).

لقد أثارت تلك التصريحات سخطاً عارماً في أوساط المغاربة الذين رفضوا استهداف قامة وطنية قدمت الكثير للبلاد. وجاء هذا التعيين الملكي السامي والتعزيز المباشر لصلاحيات لقجع لِيضع حداً نهائياً لصفحة التراشق، ويُرسل رسالة قاطعة مفادها أن الكفاءة والاستقامة محصنتان بأعلى درجات الثقة والتقدير، وأن محاولات التشويش والانتهازية الحزبية لا يصمد أثرها أمام منطق الدولة ورجالاتها الكبار.

أعجبتك هذه المقالة؟ شاركها على منصتك المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد