المحرر
في وقت انتشر فيه مقطع الفيديو الذي وثقته جريدة “المحرر” خلال تغطيتها الميدانية لاحتجاجات ساكنة أحد أحياء سيدي الطيبي ضد عتمة انقطاع التيار الكهربائي لأيام طويلة، اختارت الكتابة المحلية لحزب العدالة والتنمية الهروب إلى الأمام؛ حيث أصدرت بياناً استنكارياً حاولت من خلاله الاستبسال في الدفاع عن زعيمها المحلي، موجهة اتهامات واهية بالتعسف لممثل السلطة المحلية (القائد) الذي نزل إلى عين المكان، لمجرد أنه غضب بحق واستفسر عن غياب المسؤول الجماعي المباشر عن قطاع الإنارة العمومية، وهو ذاته “قيادي المصباح” بالمنطقة.
الغريب في تفاصيل هذه الواقعة، أن مقاطع الفيديو الموثقة بالصوت والصورة أظهرت ممثل السلطة المحلية وهو يجري اتصالات هاتفية متكررة بالمسؤول الجماعي دون أن يتلقى أي إجابة؛ ليحل هذا الأخير بعين المكان فور علم بنشر الفيديو، مدعياً أنه كان بالمسجد يؤدي واجبه الديني! وهنا يحق للساكنة أن تتساءل: كيف لمسؤول يعلم أن حيّاً بأكمله يئن تحت الظلام الدامس لنصف شهر أن يقطع قنوات التواصل، ويترك المواطنين ينكدرون في غضبهم وشعورهم بالحيف؟
ورغم هذه الحقيقة الميدانية، لم تستحِ الكتابة المحلية لـ “البيجيدي” من التعبير عن استنكارها لما أسمته “تقييد عمل المنتخبين”. ولكن، عن أي عمل يتحدث البيان وهو شبه منعدم على أرض الواقع؟ وما الذي ستستهدفه السلطة المحلية بالتضييق إذا كان الإنجاز غائباً، والانقطاعات الكهربائية متواصلة دون أن تحرك الجهات المنتخب صبعاً لمعالجتها؟
أما الجانب الأشد إثارة للضحك كالبكاء في بيان العدالة والتنمية، فهو تنبيهه لما وصفه بـ “خطورة استغلال المشاكل الاجتماعية والخدماتية التي تعاني منها الجماعة”. ولعل من المفيد تذكير كاتب البيان بأن زعيمهم المعني ترأس المجلس الجماعي لسيدي الطيبي لخمس سنوات كاملة، وأطلق قبلها وعوداً وردية بتحويل المنطقة إلى “قطب رياضي وتنموي”، وهو اليوم يمارس مهامه ضمن الأغلبية المسيرة للجماعة! فمن يسأل من عن هذه الاختلالات الخدماتية المتردية؟
والسؤال الأهم الذي يفرض نفسه بقوة وسط الساكنة: لماذا لا ينقطع التيار الكهربائي أبداً عن الحي الذي يقطن فيه المسؤول عن الإنارة العمومية بسيدي الطيبي؟ ولماذا يُكتب هذا الظلام الدامس بالتحديد على حي يعلم الجميع أن ساكنته أجمعت على مقاطعة صندوق العدالة والتنمية وعدم منح أصواتها لهذا الحزب؟ هل هي تصفية حسابات انتخابية مبكرة بعرق وراحة المواطنين؟
ختم البيان معزوفته بالتأكيد على “ضرورة التعاون والتكامل والاحترام بين السلطة والمجلس الجماعي لخدمة الساكنة”؛ وهو مبدأ جميل لو طُبق ميدانياً! لكن الواقع أظهر عكس ذلك تماماً: المسؤول عن الإنارة يختفي ويتوارى عن الأنظار، ليترك رجالات السلطة المحلية في مواجهة مباشرة مع غضب الشارع المحتقن، ثم يعود الحزب بعد ذلك لصياغة بيانات مظلومية متهافتة.
إن التبجح بالعمل الجماعي يدحر أمام كاميرات الواقع؛ والساكنة لم تعد تنطلي عليها شعارات الدفاع عن الذات، بل تطالب بحقها البسيط في الضوء، والكرامة، والقطع مع عقلية التدبير التي تخدم المقربين وتترك المواطن في الظلام.