الدبلوماسية العسكرية: رؤية ملكية بسواعد عسكرية

المحرر الرباط

 

انتهى المعرض الجوي في مراكش، بما له وما عليه، وهو منصة يريدها المغرب عالمية، تمنح المملكة إشعاعاً دولياً.
ومع انتهاء هذه التظاهرة، يصبح من الضروري النظر إلى حصيلتها بما يتجاوز عدد العارضين وصور الطائرات والعروض الجوية. فقيمة مثل هذا الموعد تُقاس أيضاً بما يتركه من انطباعات لدى ضيوفه، وما يفتحه من قنوات للتعاون، وما يضيفه إلى مكانة المغرب لدى شركائه.

لكن ما لا يُتحدث عنه هو العلاقات الدبلوماسية التي يتم توطيدها عبر استضافة الوفود الأجنبية والمسؤولين العسكريين، صانعي القرار في دولهم.

فخلف اللقاءات الرسمية والمصافحات، تُبنى معرفة متبادلة وتتوطد الثقة بين المؤسسات. وقد يفتح لقاء واحد باباً لتعاون طويل الأمد، أو يمهد لتقارب في ملفات استراتيجية. ومن هنا، فإن استضافة الوفود ليست مجرد خدمة تنظيمية، بل فرصة للتعريف بالمغرب الجديد، وبقدراته، وبجدية مؤسساته.

يسهر على ذلك مختلف الأجهزة العسكرية والأمنية، سبقته أشهر من الاستعدادات والتنسيق، ليمر المعرض في أفضل الظروف، وتنال الوفود استقبالاً مشرفاً.

إن هذا العمل، الذي لا يظهر معظمه أمام الجمهور، يتطلب تنسيقاً دقيقاً ومتابعة مستمرة. فمن استقبال الضيوف إلى تنقلاتهم وإقامتهم ومواعيدهم، تتشكل سلسلة من التفاصيل التي تؤثر في نجاح الزيارة. وهي تفاصيل تبدو صغيرة منفردة، لكنها مجتمعة تصنع صورة البلد المضيف وتؤكد قدرته على تنظيم حدث بهذا الحجم.

على عكس وزيرنا المنتهية ولايته، والكاتب العام لوزارته، الذي عيّنه على رأس المعرض الدولي للطيران، والذان لم يفوّتا الفرصة ليهدي زميليهما في الحكومة حصة من الصفقات عبر كراء سيارات «نيو موتورز». يتسابقان لالتقاط الصور والإدلاء بالتصريحات أمام الكاميرات.

إن غياب هذا الجانب عن واجهة النقاش يجعل صورة المعرض ناقصة. فما يُبنى بين المؤسسات العسكرية من ثقة وتواصل يستحق تغطية تشرح أهميته، في حدود ما تسمح به طبيعة هذه العلاقات. كما يستحق القائمون عليه الاعتراف بدورهم، بعيداً عن اختزال النجاح في الوجوه الأكثر حضوراً أمام عدسات التصوير.

فالوزارة التي سحبت تنظيم المعرض إليها عبر جمعية «ASSAD»، التي لا نعلم إلا اسمها، انشغلت المكلفة بالتواصل فيها بالحملة الانتخابية، عوض الترويج للمعرض وتحضير برنامجه للضيوف؛ إذ لم يُحمّل البرنامج على الموقع إلا قبل المعرض بيومين.

وهذه الملاحظات تطرح مسألة وضوح المسؤوليات داخل الجهة المنظمة، ومدى استعدادها لتدبير موعد دولي. فالبرنامج أداة أساسية لترتيب مشاركة الوفود وتنظيم اللقاءات، وتأخر إتاحته يضيّق الوقت المتاح للتحضير.وتوفير المعلومات للضيوف والإعلام، ومواكبة الحدث قبل انطلاقه وأثناءه وبعد انتهائه.

أخبرني أحد الزملاء الصحافيين الذين حضروا حفل الافتتاح أنه لاحظ وجود مسؤولين مغاربة، مثل مديرة التكوين المهني، لبنى طريشة، ورئيس جهة مراكش جودار، ومديري مؤسسات مغربية، في الصفوف الأولى، بينما وُضع بعض الضيوف الأجانب، المدنيين والعسكريين، في الخلف. وما زال السؤال المحيّر عن الغاية من وضع هؤلاء الذين يجلسون في المقاعد الأمامية، وهم الذين لا يعرفون عن مجال الطيران والطائرات سوى أرقام الرحلات التي تقودهم إلى الخارج للتسوق والاستجمام.

تضارب مصالح المسؤولين السياسيين لدينا مع أهداف الدولة، التي تحاول المؤسسات العسكرية والأمنية تنفيذها بما يخدم مصالح المغرب الخارجية والاستراتيجية، يستوجب خطاً فاصلاً لوضع حد للمجاملات والمصالح السياسية الضيقة.

ذلك أن أهداف الدولة تحتاج إلى تكامل بين مؤسساتها، وإلى التزام الجميع بالغاية نفسها. وحين تتقدم حسابات الظهور والمجاملة أو المنفعة السياسية، فإنها قد تضعف أثر جهود كبيرة بُذلت في التحضير والاستقبال وبناء العلاقات. لذلك، يجب أن يكون توزيع المسؤوليات واضحاً، وأن يقترن كل اختصاص بالمحاسبة والتقييم.

كل مسؤول أجنبي، ولو قلّت رتبته، يجب أن يتلقى الاحترام والتعامل اللائق؛ فهو يمثل دولته لا نفسه، ويبقى مرشحاً ليصبح يوماً صانع القرار رقم واحد في بلده.

وهذه قاعدة ينبغي أن تحكم استقبال الوفود جميعها. فالاحترام المؤسسي لا يرتبط بالنفوذ الآني للضيف، بل بصفته التمثيلية وبقيمة العلاقة مع بلده. وقد تبقى تجربة الاستقبال في ذاكرته سنوات، وتؤثر في نظرته إلى المغرب عندما يتولى مسؤوليات أوسع.

إن الدبلوماسية العسكرية المغربية تستحق أن تُقرأ ضمن الرؤية الملكية لتعزيز مكانة المملكة وتوسيع شراكاتها. وتؤدي سواعد الجيش المغربي، إلى جانب مختلف الأجهزة العسكرية والأمنية، دوراً عملياً في تحويل هذا التوجه إلى علاقات وثقة وتعاون.

وعلى القائمين على التنظيم أن يرتقوا إلى مستوى هذا الرهان، بتدبير شفاف، وتواصل مهني، وبروتوكول يحفظ مكانة الضيوف. فالمعرض ينتهي في موعد محدد، أما العلاقات التي تنشأ خلاله، والانطباعات التي يتركها، فقد يمتد أثرها لسنوات..

أعجبتك هذه المقالة؟ شاركها على منصتك المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد