يبدو أن الإعلام الفرنسي قد فقد البوصلة الأخلاقية والمهنية حين يختار الهروب إلى الشأن الداخلي لبعض الدول متناسيا أزماته والانتهاكات الحقوقية المتصاعدة في الشارع الفرنسي.
ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الشارع الفرنسي و المقاربة الأمنية الصارمة ضد التظاهرات الطلابية والشبابية بفرنسا والتي أسفرت عن تسجيل آلاف الاعتقالات في صفوف المراهقين والقاصرين واستخدام مفرط للقوة من طرف الشرطة، تصر منابر إعلامية فرنسية على تحويل عدساتها صوب مظاهر الخسائر المادية وأحداث الشغب التي يتسبب فيها المحتجون لتبرير الاستخدام المفرط للقوة.
ويكشف هذا التناول الإعلامي عن ازدواجية معايير فجة ومحاولة مكشوفة للإلهاء وتصدير الأزمات الداخلية، إذ يُصوَّر التدخل الأمني العنيف واستعمال العصي والغازات المسيلة للدموع في مدن مثل باريس وروان وتولون ومارسيليا على أنه “إجراء سيادي لحفظ النظام العام وفرض هيبة الدولة”، بينما يُعتم تماماً على التجاوزات الحقوقية والتضييق على حرية التظاهر السلمي التي تطال المواطنين والطلاب داخل التراب الفرنسي.
وفي المقابل، تتشح هذه القنوات والأبواق الإعلامية برداء الدفاع عن الحريات بمجرد انتقال التغطية إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث تسارع إلى إدانة أي تدبير تنظيمي أو أمني في المغرب، وتتجاهل العقيدة الأمنية المغربية القائمة على التدرج وضبط النفس بالمقارنة مع أساليب قمع الشغب الأوروبية.
وقد أثار هذا السلوك التحريري موجة استنكار حادة لدى المتابعين الذين اعتبروا أن منابر فرنسا الرسمية والخاصة تعمل كبوق للدعاية وموجه لخدمة الأجندات السياسية، مقلمة أظافر النقد حين يتعلق الأمر بالقوة المفرطة ضد تلاميذ عزل في شوارعها، ومطلقة العنان لقاموس “القمع والانتهاكات” عندما يتصل الأمر بالمؤسسات المغربية.
وحقيقة الأمر أن هذا السقوط المدوّي لسردية التفوق الأخلاقي والحقوقي لوسائل الإعلام الفرنسية يضع مصداقيتها على المحك أمام الرأي العام الدولي. فاحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية كلٌّ لا يتجزأ، ومطالبة الآخرين بالالتزام بها يقتضي أولا التخلي عن نظرة الاستعلاء، ووقف سياسة التضليل والتصدي للتجاوزات المسجلة داخل العتبات الفرنسية قبل إعطاء الدروس للآخرين.